|
صباح الخير ياعمان / جريدة الرؤية مقال التشريع بين النظرية والتطبيق
-
تابعت قبل أيام مناقشة في مجلس العموم البريطاني بين أعضاء المجلس ورئيس الحكومة البريطانية الحالي ديفيد كاميرون، وكان الموضوع بخصوص رفض بريطانيا الانضمام الى الاتفاقية المالية الأوروبية التي تم إقرارها أخيرا بقيادة فرنسية وألمانية. من يتابع هذه النقاشات (بحضور بعض اعضاء الحكومة) يندهش من البساطة في تصميم المجلس نفسه، وانتظام الاعضاء في كراسي متصلة بدون تكلف زائد عن الحد، ومن جهة اخرى النقاشات المتعمقة التي يطرحها كل نائب وسرعة الطرح مع الاختصار الذي لا يخل بالسؤال. وهناك ايضا ردود رئيس الحكومة على الاسئلة الموجهة اليه بدون مواربة، وتحايل في الاجوبة وتلاعب بالالفاظ مع سرعة الرد ايضا. هناك قناعة عندي ان عرض هذه المناقشات في مجلس الشورى الموقر (من منطلق الاستفادة من تجارب الآخرين في هذه المجال) سيكون له اثر ملموس في تطوير مهارات اعضائه. ولكن هل نحن حقا مستعدون للحاق بالمستوى المتقدم الذي وصلت إليه البرلمانات العريقة وهل هناك وعي بحجم المسؤولية الملقاة على عاتق الناخب؟ هل هناك وعي من المواطنين بالتجارب البرلمانية الاخرى والخروج من شرنقة التحجج بخصوصية مجتمعاتنا؟ هل هناك وعي من السلطة القائمة حاليا بضرورة نشر هذا الوعي بين افراد المجتمع وهل هناك خطة موضوعة للرقي بالوضع؟ ام ان المسأله خاضعة لمبدأ رد الفعل دون المبادرة إليه ضمن خطة موضوعة وواضحة للمواطنين؟ تعتبر العملية التشريعة هي صلب العمل البرلماني، وأعضاؤه هم ممثلو الشعب الذي انتخبهم ليكون لهم نصيب محترم في السلطات. بشكل عام فإن العملية التشريعية متشابهة في مختلف النظم الديمقراطية مع اختلاف في بعض الأمور الشكلية أو الفنية• فالبرلمان سواء يتألف من مجلس واحد أو مجلسين فإنه يمثل السلطة التشريعية المعنية بصناعة القوانين في الدول الديمقراطية وتعتبر السلطة التنفيذية (رئيس الجمهورية أو مجلس الوزراء) في جميع الدول الديمقراطية المصدر الرئيسي في التقدم بمشروعات القوانين الى البرلمان• واذا اخذنا مجلسي العموم واللوردات البريطانيين كمثال هنا (للاستفادة من تجارب غيرنا)، فإنه وقبل التصويت على أي مشروع قانون في مجلس العموم فإن المشروع لا بد أن يمر بمراحل اولها الاستشارات، حيث تقوم الوزارة المعنية بمشروع القانون باستشارة الهيئات الحكومية كما يتم استشارة عامة الناس للوقوف على مدى استجابتهم للمشروع وذلك عن طريق وسائل الإعلام المختلفة واللقاءات المباشرة. تأتي بعد ذلك مرحلة القراءة، حيث تجري في مجلس العموم مناقشات عدة وإجراءات قبل التصويت على المشروع وهناك ثلاث مراحل ايضا لقراءة القوانين. وبعد إقراره من قبل مجلس العموم يرفع المشروع الى مجلس اللوردات الذي بدوره يقوم بالمراحل نفسها التي قام بها مجلس العموم، وبالنتيجة إما أن يرفض المشروع وفي هذه الحالة يتأخر النظر به مرة أخرى لمدة سنة كاملة، أو يقترح عليه بعض التعديلات ويعيده إلى مجلس العموم وأن مجلس العموم إما أن يوافق على التعديلات أو يرفضها ويعيدها الى مجلس اللوردات لإقرارها أو سحب اعتراضه• وإذا وافق مجلس اللوردات على المشروع فإن المشروع بصيغته النهائية يحال الى الملكة للتصديق عليه ويصبح قانونا حال التصديق عليه ونشره (وهو إجراء شكلي). ومن جهة اخرى وحتى تكتمل الصورة فهناك تجربة اخرى تستحق النظر اليها وهي تجربة التشريع في الاتحاد السوفييتي البائد. كانت العملية التشريعية في عهد السوفييت الزاهر لها وجهان، اولهما هو الوجه النظري وهو ما ينص عليه الدستور من إجراءات، إذ تقدم مشروعات القوانين الى مجلس السوفييت الأعلى من قبل الوزير المختص ومن ثم يحيل المجلس مشروع القانون الى إحدى اللجان التابعة له، وتجري مناقشة المشروعات وسماع آراء الخبراء وإجراء التعديلات، وبعد ذلك تجري مناقشته من قبل مجلس السوفييت الأعلى الذي يتخذ القرار النهائي بإقراره كقانون من عدمه، وتحال بعض هذه المشروعات الى مجلس ممثلي الشعب لإقرارها تبعا لأهميتها• ولكن كان هناك وجه آخر قبيح تحت هذه الالفاظ القانونية البراقة، وهذا الوجه هو الجانب العملي وما كان يحدث حقا، حيث كان الحزب الشيوعي هو المهيمن على جميع أجهزة الدولة من خلال تعيين وانتخاب أعضاء الحكومة ومجلس السوفييت الأعلى ومجالس ممثلي الشعب، فإن أي مشروع قانون لا يمكن أن يرى النور من دون موافقة قيادة الحزب الشيوعي الذي يعطي توجيهاته الى تلك الأجهزة ابتداء من مرحلة إعداد المشروع ولحين اقراره أو رفضه• يعني ان التشريع كان اساسا تحت سيطرة المكتب السياسي وئيس الدولة، وما الاخرون الا ديكور في العملية السياسية. عند مراجعة بعض الدساتير للدول الاخرى نجد انها تنص على حق البرلمان المنتخب بشكل حر على حق الاشراف والسيطرة على العملية التشريعية، فهو له الحق في اقتراح القوانين واجراء التعديلات على القوانين المقدمة اليه ورفضها تماما ان لزم الامر. إن حق الرفض والتعديل والاقتراح للقوانين لا يكتسب اي اهمية ما لم تكن هناك قدرة لهذا البرلمان على فرض قراراته (بالرفض او الايجاب) وتعديلاته بالاستناد الى نصوص صريحة في الدستور الذي يعتبر القانون الذي تعود اليه كافة مراجع السلطة، فاذا انتفت هذه المقدرة او تم سلب هذه الصلاحيات فإن البرلمان لن يعدو كونه مجلسا استشاريا او ممرا لإقرار القوانين باسم الشعب دون ان يكون هناك صوت حقيقي لهذا الشعب في اقرار هذه القوانين والتشريعات. ولابد للذكر هنا ان رئيس البلاد او الحكومة يكون له احيانا حق نقض ورفض القوانين المقترحة، كما هو معروف في الولايات المتحدة شرط عدم تجاوز مجلسي الكونجرس نصاب الثلثين. ويتم في بعض الحالات اللجوء الى الشعب للاحتكام اليه في استفتاء عام خصوصا اذا استحكم الخلاف بين الحكومة والبرلمان. إن الوعي الشعبي مطلوب للممارسة البرلمانية الصحيحة، وإن عدم وجود العقل الديمقراطي من جهة وعدم تقبل الرأي الآخر من جهة أخرى يعتبران العقبة الاكبر في سبيل هذه الممارسة.
|