صباح ؟لخير ياعُمان



صباح الخير ياعُمان » الأخبار » المقالات


الإختلاف ثروة وإبرازه رقي وتحضر

صباح الخير ياعمان / مقال للكاتب حميد علي

جريدة الرؤية


-

 

 

 

 

 

 

 

يكون الحوار منطقيا بين المختلفين فكريا لاختبار مدى قوة ومتانة أفكارهم ومدى صحة الأدلة التي يستندون عليها، ولا معنى للحوار إذا لم تتعدد الآراء وتتنوع، ولكن لاحظت سمة تغلب على كثير من المجالس والمنتديات الإلكترونية في مجتمعنا وهي التحسس من المختلف، وكثيرا ما تتحول المبادرات في حوار جدي وصريح إلى شخصنة وزعل وهذا يؤدي إلى انزواء المختلفين وحصرهم والتضييق عليهم واختفائهم ليسود الرأي المتعجرف الذي عادة ما يستخدم الصراخ أو قوة السلطة أو القهر الاجتماعي أو قوة المال لينشر نفسه. الاختلاف سيكون دائما وأبدا هو الأصل، وقدرة الإنسان على الاختلاف مع الآخرين بأريحية وبدون تشنج تعكس مستوى أخلاقه و رقيه الفكري، وتكمن حاجتنا إلى الاختلاف في أنه المحفز الحقيقي للإبداع, حيث يظهر لنا  التاريخ أن المختلفين غالبا هم من يقودون التطور والتقدم الحضاري بإختراعاتهم وأفكارهم الجديدة التي تعودنا أن تُقابل بإستغراب ورفض في البداية، فالأنبياء والعلماء والفلاسفة كانوا مختلفين عن مجتمعهم وعانوا كثيرا حتى قَبِل محيطهم التعايش مع أفكارهم. كما تكمن حاجتنا إلى مناقشة هذا الموضوع في أن هناك خسارة كبيرة تلحق بالمجتمع في ظل غطرسة الرأي الأوحد، فكثير من المختلفين المبدعين سرعان ما يكتمون أفكارهم عندما يواجهون بالرفض والقليل منهم فقط قد يجازفون بسمعتهم ووقتهم ومالهم وأحيانا بحياتهم. فما سبب هذه الحساسية من التعايش مع المختلفين وما تأثير هذه الحساسية على المجتمع؟

يشجع الإعلام المتحضر إبراز الإختلاف الفردي ويحاول أن يتبنى الأفكار الجديدة ليبثها للناس لإنتقادها سلبا أو إيجابا مع بقاء الاحترام الشخصي للمصدر مهما شذت أفكاره ما لم تكن دعوة للكراهية أو العنصرية، ولكن على مدى عقود خلت عاملنا الإعلام العربي على أننا متشابهين في كل شي، في لغتنا في مذاهبنا في أفكارنا في ما نكره ونحب، وخلق نموذجا وهميا لكل منا يجب أن نسعى لأن نكون مثله لننال الإحترام والتقدير، وإلا أاتهمنا بالعمالة والانبطاح وموالاة الأشرار من الأعداء. وأحيانا يمارس على المختلفين الإقصاء والتسفيه والقهر الإجتماعي والاضطهاد الفكري بوصفهم بالكفر أو الضلال، ولكن في المقابل و في أعماقنا نحن مختلفون، مختلفون في تنشئتنا ونحن صغارا, في تعليمنا, في حالتنا الاقتصادية, في ما نقرأ وفي ما نحب ونرتاح له، في التجارب التي مررنا بها، والأهم نحن مختلفون على المستوى البيولوجي الذي تمثله الجينات المختلفة التي ورثناها، فكيف بالله عليكم يجب أن تكون أفكارنا متشابهة ولماذا يلقى من يختلف في الفكر هذا الاضطهاد؟!                                                                  

من الطبيعي جدا أن يعج العالم بكم هائل من الفلسفات والأفكار في الحقول العلمية والمعرفية المختلفة، وهذا هو سر تقدم الإنسان واختلافه –مثلا- عن مجتمع النمل أو النحل المتشابه وقدرته على التحضر والتطور السريع ليطوع الطبيعية في خدمته بدلا عن أن يبقى تحت رحمتها كبقية الحيوانات، وبإمكاننا ملاحظة نتيجة قمع الإختلاف بوضوح عندما نقارن بين النظم الشمولية الفاشية مثل كوريا الشمالية والنظم الليبرالية الديمقراطية مثل كوريا الجنوبية، فكلا البلدين نشأ في الوقت نفسه من انقسام بلد سابق ومن نفس الثقافة والحالة الاقتصادية. قمع الإختلاف ومحاولة ترسيخ فكرة مجتمع النمل أدى إلى شعب جائع يعيش في بؤس في كوريا الشمالية وكثير من الشعب هناك حلمه الفرار من ذاك الجحيم، في المقابل في كوريا الجنوبية تحول المجتمع من العوز والفقر إلى أن يكون من أكبر مصدري التكنولوجيا في العالم.

ويمكن تفسير هذا التطور والتحضر السريع بأنه لما تتاح الفرصة للاختلاف في البروز لا بد من نشوء التصادم الفكري الذي يجبر الطرفين على إعادة إختبار مدى قوة ومتانة أفكارهم منطقيا ومدى صحة الأدلة التي يستندون عليها، وسنلاحظ أن النتيجة هي نشوء أفكار جديدة تخرج من رحم الأفكار السابقة. هذه الأفكار الجديدة قد توفر حلولا لمشاكل يعاني منها المجتمع كما تفتح المجال للعقول المبدعة لاستغلال الأفكار الجديدة في قيادة المجتمع ليبقى متقدما على بقية المجتمعات المنافسة. طبعا من الممكن أن تخرج أفكار ضارة أيضا ولكن هذه الأفكار الضارة سرعان ما ستزول بسبب كثرة منتقديها كونها ستناقض ضرورة الاستقرار والتسامح في المجتمع المتحضر.

لماذا المختلفون ثروة يجب تنميتها وليس قمعها؟ السبب هو سهولة الانقياد والوقوع في فخ عقلية القطيع وبروز الذات الجماعية لدى غالبية البشر، فنحن لا ندرك مدى تأثرنا خلال حياتنا بمن حولنا, ونظن أننا من الممكن أن نسيطر على هذا التأثير ونعقلنه وأننا نمتلك زمام تفكيرنا وحياتنا وقراراتنا لكن في الحقيقة معظم الناس غارقين في تأثير المحيط ولو كانوا على خطأ، ومن الممكن تشبيه الإنسان بجبل الجليد يطفو جزء صغير منه ويبقى الجزء الأكبر غارقا تحت بحر من البرمجة الإجتماعية، فالتركيبة النفسية للإنسان تجبره على الخضوع للجماعة وعقله الواعي يحاول أن يمنطق هذا الخضوع ويجعل منه شيئا مبرراً ومقبولا حتى لا يصطدم  بتلك الميول اللاواعية نحو الخضوع لتوجه المجموعة. وهذا التأثير اللاواعي يظهر كقلق وخوف من المجهول أو النزوع للشك أو الغضب للفكرة الغريبة، فمثل هذه السلوكيات التي تبدو للوهلة الأولى ناتجة عن عملية التفكير والتحليل هي في الحقيقة سلوكيات تنتج بسبب إفرازات كيميائية تؤثر على الجهاز العصبي، فالإنسان كائن إجتماعي رغماً عنه وكونه كذلك هو حقيقة بيولوجية محضة, وهو لذلك غير مستقل في قراره وأن العقل الفردي ومشاعره مأسورين بالضرورة في عقل الجماعة ومشاعرها وأن التفكير المنطقي الفردي المستقل عن رأي المحيط لم يلامس إلا قشور العقل الإنساني، وإذا تخيلنا مجتمعا ما تغيب فيه القلة المختلفة من المفكرين والفلاسفة سوف يميل المجتمع طبيعيا نحو تشكيل مجتمع كوريا الشمالية الشمولي، تحت ذرائع شتى مثل خصوصية المجتمع ومقاومة الغزو الثقافي.. إلخ.
مما تقدم نستطيع الجواب على سؤال لماذا تعتبر المجتمعات المتقدمة المختلفين ثروة ولماذا قمع المختلفين مهما تظهر شدة إختلافهم وإضطهادهم فكريا وقهرهم إجتماعيا يُعتبر تبديدا لهذه الثروة، وبهذا لا تكفل هذه المجتمعات حق الحرية الفكرية للأفراد جميعا وليس الأغلبية فحسب ولكنها تضمن بذلك أيضاً بأن لا تسير الدولة والمجتمع نحو الديكتاتورية الجماعية والتخلف الذي سيفضي في النهاية إلى عدم الاستقرار الذي هو حجة سعي البعض لقمع المختلفين في البداية!






القائمة البريدية
تسجيل الدخول
الحكمة العشوائية